الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

61

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

اختلاف الأزمنة فينحصر الأمر فيها في الأوضاع الكلية المتعلقة بالكليات التي تندرج فيها سواء وضعت بإزائها أو جعلت مرآتا لآحادها فيتعلق الوضع بجزئياتها فيكون إفهام الخصوصيات حينئذ بانضمام القرائن إلا أن يحصل هناك قرينة في بعضها لكثرة الدوران فيحتاج إذن إلى وضع شخصي كما في الأعلام الشخصية ولا ربط له إذن بواضع اللغات بل يتصدى له من يحتاج إلى التعبير عنه ولذا لا يوجد في الأوضاع اللغوية ما يتعلق بالمعاني المفروضة فإن قلت إذا كان وضع الألفاظ بإزاء الكليات والتعبير عنها كافية في إفهام ما يندرج فيها وبيانه فلا حاجة إذن إلى وضع الألفاظ لخصوص المعاني المندرجة تحت تلك الكليات وإن حصل هناك حاجة إلى التعبير عن تلك المعاني بخصوصها واشتد الاحتياج إلى بيانها وحينئذ فلا يمكن إجراء القاعدة المذكورة في الموارد المفروضة إذ هناك ألفاظ موضوعة لمعاني كلية يندرج فيها أكثر المعاني المتداولة قلت من البين أن مجرد تلك الألفاظ الموضوعة بإزاء المعاني الكلية غير كاف في جميع المقامات التي يراد فيها إفهام المعاني المندرجة تحتها توضيح ذلك أن إرادة إفهام الجزئيات بواسطة إحضار الكليات قد يكون بملاحظة كون ذلك الأمر المندرج في الكلي فردا منه ومصداقا له فيفهم ذلك الكلي بواسطة اللفظ الدال عليه ويحصل الانتقال إلى الخصوصية المذكورة أما بواسطة وضع آخر كالتنوين أو لقيام القرينة عليه في اللفظ أو من الحال فهذا مما يحصل به الإفهام بسهولة وعليه جرى أمرا للغة في كثير من المقامات وقد يكون بملاحظة ذلك الأمر المندرج في نفسه وحينئذ فقد لا يمكن إفهامه باللفظ الموضوع للكلي كذلك كما إذا أردنا بيان معنى التمر والزبيب فإنه لا يمكن إفهامه بإحضار معنى الجوهر والجسم ونحو ذلك فإن اكتفي الواضع فيه بالقرينة الخارجية أو الإشارة كان في ذلك تفويت ما هو المقصود بالوضع فلا بد إذن من وضع لفظ بإزائه في اللغة مع حصول الحاجة إلى التعبير عنه في الغالب وقد يحتج للقول الآخر بأن الرجوع إلى ما ذكر استناد إلى التخريجات العقلية في إثبات الأوضاع اللفظية فلا معول عليه وأنه مبني على حكمة الواضع والتفاته إلى ذلك وعدم غفلته عنه أو عدم معارضته لأمر آخر في نظره وكل ذلك غير معلوم ودفع الجميع ظاهر بعد ما قررناه ثم لا يخفى عليك أن ما ذكرناه يفيد ثبوت الوضع اللغوي فيما يشتد الحاجة إلى التعبير عنه في أصل المخاطبات كما هو الحال في ألفاظ العموم ولذا استند العلامة رحمه الله إلى ذلك في إثباته وأما ما طرأت الحاجة إليه إما بحدوث معناه أو بحدوث الحاجة إليه فإما أن يكون الاحتياج إليه من عامة الناس فينبغي القول بثبوت الحقيقية العرفية العامة فيه أو وضع لفظ مرتجل بإزائه وإما أن يكون الحاجة إليه في صناعة مخصوصة وعرف خاص فلا بد من القول بثبوت الوضع له في ذلك العرف فيصح إثبات الوضع التعييني بإزائه مع ثبوت الحكمة في واضع تلك الصناعة ومقررها ويشهد له ملاحظة الحال في كثير من الألفاظ الدائرة في الصناعات فيصح الاستناد إلى ذلك في إثبات الحقائق الشرعية حسبما يأتي الإشارة إليه إن شاء الله تعالى هذا كله في ثبوت نفس الوضع وأما تعيين خصوص الألفاظ الموضوعة فلا يظهر من القاعدة المذكورة ويمكن تعيينها بملاحظة المقامات إذا قام هناك شاهد على التعيين على فرض ثبوت الوضع كما هو الحال في الحقائق الشرعية وفي ألفاظ العموم في الجملة ثم إنه إذا دار الأمر في اللفظ بين أحد الأمرين من الأمور المخالفة للأصل فهناك صور عشر للدوران دائرة في كتب الأصول وتفصيل الكلام في المرام توسعة في الأقسام أن يقال هناك أمور سبعة مخالفة لأصل الاشتراك والمجاز والتخصيص والتقييد والإضمار والنقل والنسخ والمقصود في المقام معرفة الترجيح بينها من حيث ذواتها مع قطع النظر عن سائر الأمور الطارية عليها المرجحة لها بحسب خصوصيات المقامات إذ ليس لذلك حد مضبوط يبحث عنها في الأصول وإنما يتبع ملاحظة المقامات الخاصة نعم يبحث في الأصول عن حجية الظن المتعلق بالألفاظ وهو كلام في ذلك على وجه كلي والظاهر أنه في الجملة مما لا خلاف فيه وحينئذ نقول إن الدوران بين الوجوه المذكورة قد يكون ثنائيا فما فوقها ولكن لما كان معرفة الحال في الثنائي منها كافية في غيرها فرضوا صور الدوران في الثنائي خاصة وجملة صور الدوران بين الوجوه المذكورة تنتهي إلى أحد وعشرين وجوها نشير إلى وجوه الترجيح بينها أو مساواتها إن شاء الله تعالى ثم إن ملاحظة الترجيح بين الوجوه المذكورة قد يفيد حال اللفظ في نفسه من جهة ثبوت وضعها للمعنى المفروض أو نفيه مع قطع النظر من ملاحظة الحال في استعمال خاص كما في أحد عشر وجها من الوجوه المذكورة أعني صور والدوران بين الاشتراك وما عداها من الصور الستة الباقية وصور الدّوران بين النقل وما عداها من الصور الخمسة وقد يفيد معرفة الحال في استعمال مخصوص من غير دلالة على حال اللفظ في نفسه وهو في الصور العشر الباقية وحيث يثبت حجية الظن في اللغات وفي فهم المراد في المخاطبات صح الرجوع إلى الوجوه المذكورة في الصورتين وجاز الاستناد إليها في إثبات كل من الأمرين فلنفصل القول فيها في مقامين الأول في بيان ما يستفاد منه حال اللفظ في نفسه وقد عرفت أن وجوه الدوران أحد وعشر أحدها الدوران بين الاشتراك والمجاز وهذه المسألة وإن مر الكلام فيها عند البحث في أصالة الحقيقة إلا أنا نستأنف القول فيها وتفصيل الكلام في وجوهها لكونها قاعدة مهمة في مباحث الألفاظ فنقول إن محل الكلام في ذلك ما إذا استعمل اللفظ في معنيين أو أكثر واحتمل أن يكون موضوعا بإزائه كل من ذلك وأن يكون حقيقة في أحد ومجازا في الباقي لوجود العلاقة المصححة للتجوز فلو لم يكن هناك علاقة مصححة للتجوز بحسب العرف فلا وجه لاحتمال التجوز حينئذ ولا دوران بينه